محلي

من التحييد إلى إعادة التنظيم مقاربة واقعية لاقتصاد الحرب في اليمن

نايف حمود العزي

|
قبل 3 ساعة و 8 دقيقة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

مدخل: حين يصبح «تحييد الاقتصاد» سؤالًا بلا إجابة

كثيرًا ما تُطرح الدعوة إلى «تحييد الاقتصاد» في اليمن باعتبارها حلًا تقنيًا محايدًا يمكن أن يخفف من آثار الصراع، وكأن الاقتصاد كيان مستقل يمكن فصله عن الحرب بإرادة سياسية أو توافق أخلاقي. غير أن هذه المقاربة، رغم جاذبيتها الخطابية، تتجاهل حقيقة أساسية: الاقتصاد في سياقات النزاع لا يكون خارج الصراع، بل أحد أدواته الرئيسية.

فالعملة، والإيرادات، والموانئ، والإنفاق العام ليست عناصر محايدة، بل مصادر نفوذ وتمويل وسيطرة، ومن هنا يصبح السؤال الجوهري الذي غالبًا ما يتم القفز عليه: هل التحييد ممكن أصلًا في بلد يعيش حربًا طويلة الأمد؟ وإن كان ممكنًا نظريًا، فمن هي الجهة القادرة على تنفيذه عمليًا؟

هل هي حكومة منقسمة لا تملك السيطرة على كامل الجغرافيا؟

أم سلطات أمر واقع تستمد جزءًا من قوتها من الاقتصاد ذاته؟

أم مجتمع دولي يفتقر إلى أدوات تنفيذية داخلية حقيقية؟

الإجابة الواقعية أن «تحييد الاقتصاد» يفترض وجود دولة فاعلة تحتكر القرار الاقتصادي والموارد السيادية، وهي دولة غير متحققة في الحالة اليمنية. فلا يمكن تحييد اقتصاد بلا دولة، ولا يمكن مطالبة أطراف الصراع بالتخلي طوعًا عن أهم مصادر قوتها.

من هنا، يصبح الاستمرار في خطاب التحييد أقرب إلى توصيف أخلاقي للصراع، لا مقاربة عملية لإدارته، ما يستدعي الانتقال إلى طرح أكثر واقعية: ليس كيف نُحيّد الاقتصاد، بل كيف نعيد تنظيمه خارج منطق الحرب، وبما يسمح باستعادة وظائف الدولة تدريجيًا.

 

أولًا: لماذا فشلت مقاربة «تحييد الاقتصاد»؟

فشل مقاربة التحييد لا يعود إلى ضعفها النظري، بل إلى تناقضها البنيوي مع طبيعة اقتصاد الحرب. فالتحييد يفترض، ضمنيًا، توفر ثلاثة شروط رئيسية:

سلطة مركزية قادرة على الإنفاذ، وقرار سياسي موحّد، وسيادة فعلية على الموارد والمؤسسات.

في اليمن، هذه الشروط غائبة، بل على العكس نشأ اقتصاد متعدد المراكز، تُدار موارده بمنطق الأمر الواقع، وتُستخدم فيه الأدوات الاقتصادية كوسائل ضغط وتمويل واستدامة للصراع. وضمن هذا الواقع، يتحول التحييد إلى شعار بلا أدوات، ويصبح تكراره نوعًا من الالتفاف على جوهر المشكلة بدل معالجتها.

 

ثانيًا: من التحييد إلى إعادة التنظيم

بدل السعي إلى تحييد غير قابل للتطبيق، تبرز «إعادة التنظيم» كمقاربة أكثر واقعية وانسجامًا مع سياق الحرب. إعادة التنظيم لا تعني إنهاء الانقسام دفعة واحدة، ولا تفترض تسوية سياسية شاملة، بل تقوم على مبدأ عملي: إخراج ما يمكن إخراجه من اقتصاد الحرب وتنظيمهُ وفق قواعد الدولة حيثما أمكن.

ويشمل ذلك:

• تنظيم الإيرادات في المناطق القابلة للحكم.

• ضبط الإنفاق العام وربطه بالأولويات الخدمية.

• تقليص المساحات الرمادية التي يتغذى منها اقتصاد الحرب.

• استخدام الشفافية كأداة لبناء الثقة لا كشعار سياسي.

هذه المقاربة لا تصطدم مباشرة بتوازنات الصراع، لكنها تعمل على إضعاف منطقه تدريجيًا، عبر بناء نموذج اقتصادي بديل أكثر كفاءة وقابلية للاستمرار.

 

ثالثًا: من المسؤول عن إعادة التنظيم؟

إعادة تنظيم الاقتصاد في سياق حرب طويلة الأمد ليست مهمة تقنية معزولة، ولا مسؤولية طرف واحد بعينه، بل عملية تدريجية مركّبة تتقاطع فيها اعتبارات السيادة، والقدرة المؤسسية، والواقع الإداري القائم.

فعلى المستوى الشكلي، تمثل الحكومة الإطار السيادي والقانوني لأي عملية تنظيم اقتصادي. وعلى المستوى العملي، تشكل السلطات المحلية والوقائع الإدارية القائمة جزءًا من معادلة التنفيذ لا يمكن تجاهله. أما المجتمع الدولي، فيمتلك أدوات دعم وتأثير، لكنها تظل مشروطة بوجود نموذج قابل للحوكمة والقياس، لا بمجرد النوايا السياسية.

غير أن الانشغال بسؤال «من المسؤول؟» غالبًا ما يتحول إلى عائق بحد ذاته، لأنه يفترض توافقًا سياسيًا شاملًا غير متحقق في لحظة الصراع. لذلك، فإن نقطة البداية الواقعية لا تكمن في توزيع المسؤوليات، بل في تحديد مساحة يمكن فيها تطبيق نموذج اقتصادي منضبط، يمكن قياس نتائجه، وتحويله إلى مرجعية قابلة للتوسيع كلما توافرت شروطه في بقية الجغرافيا.

غير أن نقطة البداية لا تنتظر توافق الجميع، بل قدرة طرف ما على إظهار نموذج قابل للقياس.

هذا النموذج، متى ما أثبت فعاليته في إدارة الموارد، وضبط الإنفاق، وتحسين الخدمات، لا يفرض نفسه بالقوة، بل بالجاذبية الاقتصادية، ليصبح مرجعًا عمليًا لإعادة تنظيم الاقتصاد الوطني على مراحل، لا عبر صدمة مركزية.

 

رابعًا: إعادة التنظيم كمدخل لهندسة الدولة

في السياق اليمني، لا تمثل إعادة تنظيم الاقتصاد بديلًا عن الحل السياسي، لكنها المسار الوحيد الذي يمكن أن يسبقه دون أن يناقضه، فالاقتصاد هو المجال الوحيد القادر على إنتاج وقائع عملية على الأرض، تخلق مصالح مشتركة، وتعيد تعريف مفهوم الدولة بوصفها وظيفة تعمل لا شعارًا يُرفع.

وعندما يرى المواطن نموذجًا اقتصاديًا قادرًا على تقديم الخدمات، وإدارة الموارد بكفاءة، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار، تتحول فكرة الدولة من مطلب نظري إلى مصلحة عامة.

 

خاتمة:

في واقع حرب طويلة، لا يمكن للاقتصاد أن يُحيَّد عن الصراع، لكن يمكن إعادة تنظيمه خارج منطقه، وبين شعار غير قابل للتطبيق ومسار عملي ممكن، يصبح تنظيم ما يمكن تنظيمه هو الخطوة الوحيدة القادرة على تقليص اقتصاد الحرب وفتح الطريق أمام الدولة.

فالخروج من الأزمة لا يبدأ بتوافق شامل، بل بنموذج يعمل…

وحيث يعمل الاقتصاد، تبدأ السياسة باللحاق به.

19-1-2026

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية